U3F1ZWV6ZTM4NDY1MjYxNTAwMDIxX0ZyZWUyNDI2NzIxMzA3ODUwOQ==

لماذا ينجذب الإنسان لمن يؤذيه. أسرار علم النفس



السر المظلم للإدمان العاطفي


تطوير الذات


هناك سؤال غامض يعجز الكثير عن فهمه:

لماذا ننجذب أحياناً إلى أشخاص نعرف أنهم سيؤذوننا؟

لماذا نبقى في علاقات نعلم أنها تدمرنا بدل أن تمنحنا الأمان؟

ولماذا نتمسك بأشخاص يجرحوننا، نتسامح معهم مرارًا، ونعيد المحاولة رغم معرفتنا أن النهاية ستكون نفسها؟

قد يتخيل البعض أن الأمر مجرد ضعف، أو قلة تقدير للذات، أو عدم خبرة.

لكن الحقيقة أعمق بكثير…

فالإدمان العاطفي ليس اختيارًا واعيًا، بل هو تفاعل مظلم بين الكيمياء الدماغية والذاكرة النفسية والحاجة القديمة المرتبطة بالطفولة.

الإدمان العاطفي يشبه أي إدمان آخر:

  • يبدأ بشعور جميل
  • يتحول إلى رغبة
  • ثم إلى حاجة
  • ثم إلى قيد
  • ثم إلى ألم يصعب التحرر منه

وفي كل مرة تُجرح فيها، ترتبط أكثر بالشخص الذي جرحك، بدل أن تبتعد عنه.

لأن دماغك يعيد إنتاج نفس التشابهات القديمة ويربط الألم بالحب بشكل خاطئ.

في هذا المقال ستكتشف الحقيقة القاسية:

الإنسان لا ينجذب لمن يناسبه، بل لمن يشبه جرحه القديم.

ولا يتعلق بمن يحبه، بل بمن يعيد تفعيل ذاكرة طفولته.

ولا يبقى في العلاقة لأنه سعيد، بل لأنه مدمن.

سنغوص الآن في أعماق الإدمان العاطفي، وسنفهم كيف يخلق الدماغ هذا الارتباط السام، ولماذا يصبح الانفصال صعبًا رغم أن الأذى واضح، وكيف يمكن التحرر من هذه الدائرة المظلمة التي تكرر نفس العلاقات ونفس الألم.

لنبدأ بالسؤال الأهم…


1. لماذا ينجذب الإنسان لمن يؤذيه؟

 الحقيقة التي لا يجرؤ معظم الناس على مواجهته، يظن الكثيرون أن الإنسان ينجذب لمن يشعر معه بالأمان. لكن الحقيقة أن الإنسان في أغلب الأحيان ينجذب لما يعرفه، لا لما يفيده. إذا كانت طفولتك مليئة بالرفض، فقد تربط الحب بالرفض. وإذا كانت طفولتك مليئة بالصراخ، فقد تربط الحب بالقلق. وإذا كانت طفولتك مليئة بالإهمال، فقد تربط الحب بالمطاردة لإثبات نفسك.


العقل لا يبحث عن الراحة، بل يبحث عن التعود، ولهذا قد ترى امرأة قوية، مثقفة، ناجحة، لكنها تختار رجلاً بارداً أو مؤذياً لأنها اعتادت منذ طفولتها أن الحب يجب أن يُنتزع بالقوة.

وترى رجلاً محترماً وهادئاً، لكنه يتعلق بامرأة نرجسية لأنها تشبه نموذجًا قديمًا لم ينله في طفولته. الإنسان لا يقع في الحب، بل يقع في الذاكرة، والذاكرة هي التي تختار، لا القلب.

2. الإدمان العاطفي ليس إختياراً بل ظاهرة كيميائية في الدماغ

لفهم لماذا يصبح الشخص المؤذي جذاباً، يجب أن نفهم كيف يعمل الدماغ.

هناك 3 مواد كيميائية تلعب الدور الأكبر في الإدمان العاطفي:

أولاً: الدوبامين 

هرمون البحث عن المكافأة، هذا الهرمون لا يُفرز عندما تحصل على السعادة، بل عندما تتوقع السعادة، وهنا تكمن الكارثة.

الشخص المؤذي غالباً:

  • يعطيك مشاعر جميلة ثم يسحبها. 
  • يقترب ثم يبتعد. 
  • يقدر ثم يهمل. 
  • يعامل بلطف ثم ببرود. 

هذه التقلبات تجعل الدماغ يدخل في حالة ترقب، 

وعند كل ترقب، يفرز الدوبامين وبالتالي:

كلما أصبح الشخص أكثر تلاعباً، أصبح الإدمان عليه أقوى.

ثانياً: الأوكسيتوسين: هرمون الارتباط

هذا الهرمون يفرز عندما تتلامس المشاعر، سواء كانت سعيدة أو حزينة، وعندما تبكي أمام شخص ترتبط به أكثر، وعندما تخبره بأسرارك يرتفع ارتباطك به، وعندما يجرحك ثم تعودان يرتفع أكثر، الألم لا يقطع الرابط بل يعمقه.

ثالثاً: الأدرينالين: هرمون الخطر

في العلاقة السامة، يكون مستوى التوتر عالياً.

هذا الهرمون يجعلك متيقظاً، مشدوداً، حساساً

ومع الوقت يصبح التوتر نفسه جزءًا من الإدمان.

لهذا يهرب بعض الناس من العلاقة الهادئة ويملّون منها، لأنهم اعتادوا الانفعال لا الطمأنينة.


3. الطفل الجريح بداخلنا هو الذي يختار العلاقات وليس نحن

هذا هو السر الذي يغيب عن الكثيرين:

الإنسان لا يعيش حاضرَه فقط… بل يعيش ماضيه أيضاً.في داخلك طفل لم يكتمل نموه العاطفي

يحمل جروحاً لم تعالج، ويتخذ قراراته بناءً على ألم لم يحل،ذلك الطفل هو الذي ينجذب إلى الأشخاص الذين يشبهون:

  • الأم البعيدة. 
  • الأب الغاضب. 
  • الشخص الذي لم يمنحك الحنان. 
  • أو الشخص الذي لم يمنحك الاهتمام. 
  • أو الشخص الذي شعرت معه أنك غير كافٍ. 

الإدمان العاطفي ليس حباً، بل محاولة لاواعية لإصلاح جرح قديم عبر شخص جديد. ولكن المفارقة المؤلمة هي:

أنت تختار نفس الشخص الذي يفتح نفس الجرح، بدل الشخص الذي يداوي، الجرح هو من يقرر، لا الوعي.


4. الإدمان العاطفي أقوى عندما يكون الشخص المؤذي متناقضاً

علم النفس يؤكد أن أقوى أنواع الارتباط العاطفي تنشأ عندما يكون الشخص:

  • لطيفاً ثم قاسياً. 
  • متاحاً ثم مختفياً. 
  • مهتماً ثم بارداً. 
  • معطيًا ثم مانعاً. 

هذا ما يسمى بـ الارتباط المتقطع (Intermittent Reinforcement وهو نفس الأسلوب الذي يجعل الناس تدمن القمار).


فالعقل لا يدمن الشخص، بل يدمن عدم القدرة على التوقع، عندما تكون المكافأة غير متوقعة، 

يصبح الدماغ مهووساً بالحصول عليها.

ولهذا، الشخص اللطيف دائماً سهل خسارته.

بينما الشخص المتقلب، يصعب التحرر منه.

ليس لأنه أفضل، بل لأن دماغك أصبح مدمنًا على ذلك النمط.

5. لماذا نبقى مع الشخص الذي يؤذينا، رغم معرفتنا الحقيقة؟


هناك 7 أسباب نفسية تجعل الانفصال عن الشخص المؤذي أصعب مما يبدو:

1. لأنك تعتقد أنك تستطيع تغييره

الدماغ يحب الحلول غير المكتملة، يريد أن يفوز، أن يصل للنهاية، أن ينجح في تحويل الألم حباً.

لكن الحقيقة أن التغيير نادراً ما يحدث.

2. لأنك تربط الحب بالمعاناة

وهذا يحدث غالباً بسبب طفولة مليئة بالانتظار أو القلق أو الرفض.

3. لأنك تخاف الوحدة أكثر من الأذى

الخوف من الفراغ يدفع الإنسان للتشبث بما هو مؤلم، بدل الوقوف وحيداً.

4. لأنك ترى نفسك بعيون الشخص المؤذي

مع الوقت يبدأ كلامه الجارح يصبح جزءاً من صوتك الداخلي.

5. لأن العلاقة السامة تخلق انسحاباً شبيهاً بانسحاب المخدرات

بعد الانفصال، ينخفض الدوبامين فجأة، فيشعر الدماغ أنه في حالة نقص حاد، ويبدأ بالبحث عن الشخص ليعيد التوازن.

6. لأنك تستثمرت وقتاً ومشاعر كثيرة

فتقول لنفسك لا أريد أن يضيع كل شيء. 

7. لأنك لا تعرف شكل الحب الصحي

فما تعرفه يصبح هو ما تبحث عنه.

6. العلاقة السامة تبدو كالحب لكنها ليست حباً على الإطلاق

إليك الفرق الحقيقي بين الحب والإدمان العاطفي:

الحب الحقيقي:

  • هدوء
  • إستقرار
  •  أمان
  • وضوح
  • دعم
  • تطور

الإدمان العاطفي:

  • خوف
  • توتر
  • مطاردة
  • عدم استقرار
  • نقص
  • ألم

وإشارة لا تنتهي تقول: أنا لست كافياً

الحب يبنيك، والإدمان يستهلكك.

الحب يضيف لك، والإدمان ينقص منك.

الحب يجعلك أفضل، والإدمان يجعلك أضعف.

لكن المشكلة أن أغلب الناس لا يفرّقون بين الإحساسين، لأنهم لم يعيشوا الحب الصحي من قبل.


7. كيف تتحرر من الإدمان العاطفي؟ 

خطوات عملية وعميقةوهذه أهم خطوات التحرر:

1. إعترف أنك مدمن لا عاشقاً

الاعتراف هو بداية الشفاء. لأنك عندما تعتقد أنه حب ستعود دائماً، لكن عندما تراه إدماناً ستبدأ بالعلاج.

2. إفصل العقل عن الكيمياء

إسأل نفسك:

هل أشتاق للشخص، أم للشعور؟

غالباً أنت تشتاق للمشاعر المؤقتة وليس للشخص نفسه.

3. اقطع الاتصال تماماً

لا رسائل، لا مكالمات، لا متابعة، لا إقتباسات، لا بحث في الصور، أي تواصل بسيط يعيد الإدمان من جديد.

4. اكتب قائمة بالجروح التي سببها لك

عندما ترى الألم مكتوباً تتوقف عن تزيينه

5. عالج الطفل الجريح بداخلك

إسأل نفسك:

لماذا أقبل بالقليل؟

من أول شخص جعلني أشعر أنني غير مهم؟

من أول شخص جعلني أطارد الحب بدل أن يُمنح لي؟

بتحليل الماضي… تفهم الحاضر.

6. إملأ حياتك بأنشطة تزيد من احترام الذات

الإنسان لا يخرج من العلاقة السامة… بل يرتفع فوق مستواها.

وعندما يرتفع… تصبح العلاقة صغيرة وغير مناسبة له.

7. تعرف على الحب الصحي

لن تختار الصح… ما لم تعرف شكله.

وأخيراً...

الإنسان لا ينجذب لمن يناسبه، بل لمن يشبه الجرح الذي لم يلتئم بعد، ولا يتعلق بمن يحبه، 

بل بمن يعيد خلق نفس المشهد القديم الذي لم يستطع فهمه في طفولته الإدمان العاطفي ليس دليل حب، بل دليل ألم غير محلول.

ولكن الخبر الجيد هو:

يمكنك التحرر.

يمكنك إعادة بناء نفسك.

يمكنك أن تتعلم حبًا بلا خوف، بلا مطاردة، بلا توتر، بلا انكسار.

يمكنك أن تختار… بدل أن تختار جروحك نيابة عنك.

وهذه خطوة جديدة في السلسلة التي تكشف أعماق النفس البشرية.




تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة